السيد حيدر الآملي

541

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الشّمس بالشّمس ، وشاهدت الشّمس بالشّمس ، كما يجوز للعارف أن يقول رأيت ربّي بربّي ، وعرفت ربّي بربّي ، وشاهدت ربّي بربّي ، حيث وقع العارف بالنّسبة إلى شمس الحقيقة الإلهيّة كالقمر بالنّسبة إلى الشّمس الصّوريّة الآفاقيّة لقوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّه َ رَمى [ سورة الأنفال : 17 ] . وهذا معنى قوله : ويضرب اللَّه الأمثال للنّاس ، أي ويضرب اللَّه مثل هذه الأمثال للنّاس لعلَّهم يتذكّرون المبدأ ، ويتفكّرون في المعاد ويعرفون ما بينهما ويقومون من وجودهم بالكلّ ويشاهدون الحقّ بعد فنائهم بغير الحقّ ، لقولهم : فلم أنظر بعيني غير عيني . ولهذا قال : وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ سورة العنكبوت : 43 ] . لأنّ غير العالم الحقيقي لا يعقل هذا المعنى أصلا وبل ينكر عليه إنكارا لا مزيد عليه كما قال : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه ُ لَه ُ نُوراً فَما لَه ُ مِنْ نُورٍ [ سورة النور : 40 ] . وذلك كلّ عبد ما حصل له هذا النّور وبقي في ظلمة أنانيّته واحتجابه وبعده عن الحقّ بعدا لا يتصوّر فيه قربا بوجه من الوجوه بعد عن المعرفة المذكورة والمشاهدة المعلومة وصار من المحجوبين الضّالَّين المضلَّين الَّذين وصفهم اللَّه بعد الآية بقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُه ُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَه ُ لَمْ يَجِدْه ُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّه َ عِنْدَه ُ فَوَفَّاه ُ حِسابَه ُ وَاللَّه ُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ سورة النور : 39 ] . أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاه ُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه ِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه ِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَه ُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه ُ لَه ُ نُوراً فَما لَه ُ مِنْ نُورٍ [ سورة النور : 40 ] . كما قد سبق تأويله وتفسيره مبسوطا قبل هذا البحث بقليل ومراد اللَّه ، ومرادنا من ضرب المثال تقريب المعاني إلى الأذهان وذلك مستحسن عند الفصحاء وأرباب